الجزائر – ربيعة خريس
أصبح الوضع المتردي في شمال مالي يشكل مصدر قلق كبير بالنسبة للجزائر, خصوصًا بعد فشل جميع الأطراف التي وقعت على اتفاق السلم والمصالحة المنبثق عن مسارها في تطبيقه، وأيضًا حراك التنظيمات المتطرفة في الساحل الصحراوي, وهو ما دفع بالقوة الأفريقية الخماسية لإطلاق عملية عسكرية كبيرة على حدود البلاد مع ثلاث دول. وقال العضو القيادي في الحركة الشعبية لإنقاذ أزواد, أبو بكر الصديق ولد الطالب, أن جميع الأطراف التي وقعت على اتفاق السلم والمصالحة عام 2015 في الجزائر, فشلت في تطبيقه بسبب إقصاء شرائح مهمة من المجتمع وقوى سياسية أخرى.
وأكد المتحدث أن الوضع القائم في شمال مالي يتجه نحو المزيد من التعقيد بسبب الاضطرابات الأمنية القائمة في المنطقة, واستمرار الخلافات بين الفصائل المالية المسلحة والسلطات المركزية في باماكو, واستمرار تفشي الجريمة المنظمة والاشتباكات المتكررة التي تستهدف فرض أمر واقع. وأشار أبو بكر الصديق ولد الطالب إلى أن اتفاقية السلم والمصالحة، المنبثقة عن مسار الجزائر, أصبحت رهينة مجموعة من السماسرة الذين يتاجرون بها على حساب مصالح الشعب واستقراره.
وأوضح أن عدم تطبيق الاتفاقية وباقي الإجراءات المتصلة بها، سيؤدي إلى تحرك جديد لاتخاذه على مستوى الحكومة المالية والمجموعة الدولية. واستدل العضو القيادي في الحركة الشعبية لإنقاذ أزواد بالنزاع الكبير القائم بين الحركات المسلحة وبين قبيلتي "فوقاس" و"مقاد" في إقليم كيدال، شمال البلاد، وهو نزاع قديم مرشح لأن يتحوّل إلى حرب أهلية، خصوصًا أن المواجهات الحالية تديرها ميليشيات تقودها أطراف عدة، من أجل تصعيد الوضع بين مكوّنات شعب أزواد، واستغلال العداوة بين القبائل. وفي ظل فشل جميع الأطراف الموقعة عن ميثاق السلم والمصالحة المنبثق عن مسار الجزائر, أعلن الاتحاد الأوروبي في سبتمبر / أيلول الماضي، عن احتمال فرض عقوبات على أولئك الذين يعرقلون تحقيق تقدم في تطبيقه. وجاء في بيان لمجلس الاتحاد الأوروبي أن المجلس بلور نصوص قانونية تسمح بفرض عقوبات على أولئك الذين يعملون على عرقلة تحقيق تقدم في تنفيذ اتفاق السلم والمصالحة في مالي.
كما حذر الاتحاد الأوروبي من أن الأشخاص والكيانات التي تحددها لجنة عقوبات أممية، مدعومة بمجموعة خبراء، ستتحمل مسؤولية النشاطات أو السياسية التي تشكل تهديدًا للسلم والأمن والوطن. وتتراوح العقوبات بين المنع من السفر وتجميد الأرصدة لكل شخص أو كيان تثبت إدانته بالمشاركة في اعتداءات تنتهك اتفاق السلم والمصالحة في مالي أو في هجمات تستهدف المؤسسات وقوات الجيش والأمن الماليين، والقوة المشتركة لمجموعة أمن الساحل وبعثات الاتحاد الأوروبي والقوات الفرنسية. وتزامنًا مع هذه التطورات تراقب الجزائر عن كثب العملية العسكرية الضخمة التي أطلقت بإسناد أميركي وفرنسي, الخميس, تستهدف هذه العملية أخطر التنظيمات المتطرفة التي تنشط في شمال مالي والنيجر، بالقرب من حدود الجزائر, تعدادها يتعدى 30 ألفًا من جنود الدول الخمسة، مع نحو أربعة آلاف جندي فرنسي, وتضم القوة قوات من مالي والنيجر وتشاد وبوركينا فاسو وموريتانيا، وتتولى مهمة حراسة المنطقة بالتعاون مع أربعة آلاف جندي فرنسي ينتشرون هناك منذ تدخل فرنسا في شمال مالي لمواجهة التمرد.
وأطلقت هذه العملية بسبب تنامي الاضطرابات في منطقة الساحل الصحراوي, خاصة بعد أن أعلن عن مقتل ثلاثة جنود أميركيين من القوات الخاصة في بداية أكتوبر / تشرين الأول في كمين نصبه متطرفون مدججون بالسلاح جاءوا من دولة مالي, وتعتبر هذه هي المرة الأول التي يتم الإقرار فيها بوجود جنود أميركيين في المنطقة. ومن المقرر تنفيذ هذه العملية العسكرية عبر مراحل, المرحلة الأولى تتعلق بضبط الحدود المشتركة بين الدول الخمسة, وبعدها رفع التنسيق الأمني والعسكري المباشر بين الدول الخمسة, ثم الانتقال في المرحلة الثالثة إلى تنفيذ عمليات عسكرية ضد تنظيم "أنصار الإسلام والمسلمين"، الذي أعلن عن ميلاده في شهر مارس / آذار الماضي, وهو التنظيم الذي وحد متطرفي منطقة الساحل الأفريقي, ويضم التنظيم الجديد الجديد "جماعة أنصار الدين"، و"إمارة الصحراء الكبرى" (ستة كتائب تابعة لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي)، و"كتيبة المرابطون" (جناح الجزائري مختار بالمختار)، وكتائب "ماسنا". وحاولت التنظيمات المسلحة الناشطة في شمال مالي الاندماج لمواجهة التدخل الفرنسي ضد هذه الجماعات في مطلع عام 2013، لكن خلافات قادتها وأدت مشروع الاندماج واقتصر التعاون على التحضير للعمليات العسكرية وتنفيذها.